يقولون إن ما بين الحرب والحب رسالة مختلفة، كتلك العلاقة التي تجمع بين الماء والنّار ولم نكتشفها بعد؟ أي تناقض ذلك الذي بدأت أفكر فيه؟ وأي علاقة تلك التي نحاول اكتشافها وتجمع بين هذين المتناقضين؟ الحرب تبدأ تلميحًا، ثم تسمعها تصريحًا، وكذا هو الحب أيضًا... ولكن النهاية مختلفة بالتأكيد.
قد تعيش الحب دون أن تبحث عنه، وقد تدخل الحرب قبل أن تستعد لها، وإن وقعت في أي منهما فلا مجال لك أن تهرب؛ فهو واقعٌ ويجب أن تعيشه، شئت أم أبيت! فعلاقة الإنسان بالحب والحرب معًا علاقة أزلية، جذورها ممتدة من قبل الكلام ومن مبتدأ الحرف.
نعم، لا شيء يجعل الإنسان يتحدى المستحيلات ويذلل الصعاب كالحب والمحبة، فكيف سيحارب الإنسان عدوه وقد نسي كل مفردات العاطفة الصادقة؟! لكن اليوم لم يعد الحب كما كان، بل أصبح مرحليًا يبدأ من نهايته، هوت عواطفنا ومشاعرنا من برج الحلم إلى حضيض المحسوس، وتكسرت العاطفة على صخرة وطأة الغرائز، وضاع زمن الحس المرهف، يوم كان الكلام يتلعثم على ألسنتنا أمام نظرة عين شاردة، حين كان الخجل مفتاح الولوج لقلب المرأة، وحين كان الصمت يدوي بكل لغات الطبيعة.
اليوم، أبواب الحب الصادق أغلقت أبوابها، وفتحت معاهد وجامعات لحب سوقي مصطنع، ينتشر على أرصفة الشوارع، وعلى حواف البرك الراكدة، يبيع عشقًا رخيصًا عاريًا من كل ما هو «محلل» وراق. علَّبوا حبهم على شكل زينة وفستان وبدلة عرس، واختلفوا على أثاث البيت، فتراجع الحب مهزومًا، وفرَّت عصافير الفرح عن الشبابيك المشرعة، واستيقظ العشاق على لحن صاخب نشاز، بعد أن هرب الحلم، حاملاً كل ما هو جميل، وتكسرت الوردة تحت زحمة الأشياء وتناقضاتها!
الحب والحرب مفهومان للعقل والقلب، لا بد من تفعيلهما؛ حتى نستحق لقب الإنسان، ففي الحب نحاول أن نتمسك أمام طوفان الحب وجبروته، ولكننا قد نفشل من الصمود كثيرًا، ثم ما نلبث أن ننهار، ونعلن الاستسلام. وفي الحرب أيضًا نعيش تلك الصورة، بعد أن يحاول أحدهم أن يصمد، ولكنه قد يفشل فيحاول صنّاع الحرب أن يستخدموا كل أنواع الأسلحة لكسب المعركة.. في الحب أيضًا يستخدمونها، لكن قد يكون الأمر مختلفًا؛ فهي تستخدم هنا لكسب القلوب..
لغة الحب قد تكون هي «قاعدة»، و«لغة خاصة» لا يعرفها إلا الراسخون في علم المحبة، حتى في زمن الحرب هناك من لا يعرفون إلا لغة الحب؛ لكي يتحدثوا بها، فالحرب أحيانًا تكون ضرورية؛ لكي تسود لغة الحب.
فعندما يتوقف الشعراء عن كتابة قصائد الحب، وعندما يتوقف العشاق والمحبون عن العشق والمحبة، فإن ذلك يسبب الحرب لا غيرها.
هذا الصراع الأزلي بين الحب والحرب هو أشبه ما يكون بالصراع الأزلي بين الخير والشر، والحق والباطل، والحرية والدكتاتورية.
فالحب له فضائله، والحرب تحمل بعض الفضائل أحيانًا، عندما تنتصر للخير على الشر، وللحق على الباطل، وللحرية على الدكتاتورية.
الحب والحرب مفهومان لا يقبلان الخطأ، يتحرك بهما الساكن ويلغي المستحيل، وتثير عاطفتا الحب والحرب ليشتعل الكون! ولكنني أعتقد أنها ستكون حالة مؤلمة وقاسية أن يعيش الإنسان بلا حب ولا حرب، وأن يفقد النطق باللغتين معًا، فلا لغة الحرب مروية، ولا لغة الحب محكية!
الفارق بين الحب والحرب يختصر بحرف واحد، ولكن التفاصيل كثيرة ومتعددة، وفي تلك التفاصيل شيء ندركه ولا ندركه، يجوس متاهات الروح، يعابثها، يستثيرها أن تطلق عبر المدى نورانية الإحساس بالحياة؛ لتنهمر من علياء التطلعات الأسئلة زخات.. زخات.. زخات، وقتها أدرك حجم عطشي وحاجتي لحالة «الحب» محكية، وأن أبتعد عن قصص الحرب المروية، دون أن أنسى أنه لا يفسد الحب إلا البقية